
5 دروس مدهشة من قلب العمل الإنساني في إفريقيا
في خضم الضجيج الإعلامي الذي يصور إفريقيا غالبًا كمسرح دائم للأزمات، تغيب الحقيقة الهادئة والعميقة التي لا تتصدر العناوين: حقيقة قارة تنبض بالحياة، وتاريخ متجذر من التكافل، وطاقة شبابية هائلة. هذه الصورة النمطية تتجاهل واقعًا أكثر تعقيدًا وثراءً، واقعًا لا يعرفه إلا من عاشه في الميدان.
يهدف هذا المقال إلى تجاوز تلك السردية السطحية، ليكشف عن دروس وحقائق مدهشة مستوحاة من خبرة ميدانية تمتد لأكثر من ثلاثة عشر عامًا، كما تم توثيقها في “دليل العاملين في المجال الإنساني في إفريقيا”. هذه الدروس الخمسة تقدم رؤية من الداخل، وتغير فهمنا لطبيعة العمل الإنساني في واحدة من أكثر قارات العالم حيوية وتنوعًا.
1. القارة الأكثر شبابًا وفرصًا، وليست مجرد مسرح للأزمات
خلافًا للسردية السائدة التي تركز على الأزمات، تُعتبر إفريقيا قارة ذات فرص هائلة. الحقيقة المدهشة هي أنها القارة الأكثر شبابًا في العالم، حيث يشكل من هم دون سن الخامسة والعشرين حوالي 60% من إجمالي سكانها.
هذه التركيبة السكانية ليست مجرد رقم، بل هي طاقة كامنة هائلة يمكن أن تقود تغييرًا إيجابيًا واسع النطاق. فإذا تم توفير التعليم المناسب والتأهيل المهني لهذا الجيل، فإنه يمثل قوة دافعة للتنمية المستدامة. والمثال العملي يأتي من منطقة “بوكي” في غينيا كوناكري، حيث لاحظت في عام 2020 كيف أدى اكتساب الشباب للمهارات التقنية في مجال التعدين إلى تغيير مسار حياتهم بالكامل، إذ حصلوا على وظائف في الشركات المحلية، وأصبحوا قادرين على إعالة أسرهم، مما ساهم بشكل مباشر في استقرار مجتمعاتهم.
2. العمل الخيري متجذر في إفريقيا قبل وصول المنظمات الدولية بقرون
من الأخطاء الشائعة افتراض أن العمل الإنساني المنظم في إفريقيا هو مفهوم غربي حديث. في الواقع، تمتد جذور العمل الخيري والتكافل الاجتماعي في القارة إلى قرون مضت عبر مراحل تاريخية واضحة.
- المرحلة التقليدية: قبل أي تدخل خارجي، اعتمدت المجتمعات الإفريقية على أنظمة تكافل اجتماعي قوية متجذرة في الأعراف والقيم المحلية، تضمن دعم الفئات الأضعف كالأيتام والأرامل وكبار السن.
- المرحلة الدينية: مع انتشار الإسلام، أخذ العمل الخيري طابعًا منظمًا من خلال آليات مثل الزكاة والوقف، وهو ما أدى إلى تأسيس مراكز علمية وخيرية بارزة أثرت في الحضارة الإنسانية، مثل تمبكتو وجني.
- لاحقًا، مرت القارة بالمرحلتين الاستعمارية وما بعد الاستقلال، حيث تطور شكل العمل الإنساني ليأخذ طابعًا أكثر تنظيمًا، وصولًا إلى العصر الحديث.
إن هذا الإرث العميق من التضامن المحلي لا يثبت فقط أن ثقافة العطاء أصيلة في القارة، بل يمثل الأصل الأكثر قيمة الذي يمكن للمنظمات الدولية أن تبني عليه شراكات حقيقية، وهو أصل كثيرًا ما يتم تجاهله.
3. الثمن الشخصي الباهظ: عندما تكون الإصابة بالأمراض جزءًا من روتين العمل
بعيدًا عن المخاطر الأمنية والسياسية، يواجه العاملون في المجال الإنساني ثمنًا شخصيًا باهظًا نادرًا ما يتم الحديث عنه. فالعيش في بيئات تفتقر إلى أبسط الخدمات الصحية يجعل من الإصابة بالأمراض الخطيرة جزءًا من واقعهم اليومي. تجربتي الشخصية في غينيا كوناكري تلخص هذا الواقع المؤلم:
أذكر شخصيًا، خلال عملي في غينيا كوناكري، أنني كنت أصاب بالملاريا أكثر من خمس مرات في السنة، وبالتيفوئيد أربع مرات على الأقل. لم تكن هذه الإصابات مجرد معاناة شخصية، بل كانت شاهدًا على واقع قاسٍ رأيت فيه أطفالًا يفقدون حياتهم بسبب غياب تدخلات طبية بسيطة كان من الممكن أن تنقذهم.
هذه الشهادة تكشف أن العمل الإنساني لا يقتصر على إدارة المشاريع، بل هو مواجهة يومية مع المخاطر الصحية الشخصية ومعاناة مشاهدة مآسٍ إنسانية كان من الممكن تجنبها.
4. سر النجاح ليس في حجم المساعدات، بل في قوة الحلول المحلية
إن التدخلات الإنسانية الأكثر فاعلية ليست تلك التي تفرض حلولًا من الخارج، بل تلك التي تنبع من التعاون مع المجتمعات المحلية وتمكينها. فالاستماع إلى الناس وإشراكهم في صنع القرار هو الفارق بين مشروع مؤقت ومشروع مستدام. مثالان عمليان من الميدان يوضحان هذه الفكرة:
- إشراك المجتمع المحلي: في إحدى القرى بغينيا كوناكري، بدلًا من تحديد موقع بئر جديد بشكل منفرد، تم إشراك شيوخ القرية والشباب في اتخاذ القرار. اختاروا موقعًا قريبًا من المدرسة والعيادة، وهو قرار بسيط ضاعف عدد المستفيدين وعزز شعور السكان بملكية المشروع.
- الاستدامة وتعظيم الأثر: بدلًا من توزيع المساعدات الغذائية بشكل متكرر في منطقة معرضة للجفاف، تم دعم المجتمع لإنشاء “بنك للحبوب” يديرونه بأنفسهم. هذا الحل مكّنهم من تخزين فائض الإنتاج واستخدامه في أوقات الحاجة، مما قلل من اعتمادهم على المساعدات الطارئة في المستقبل.
تؤكد هذه الأمثلة أن العمل مع المجتمعات، وليس فقط من أجلها، هو الطريق الوحيد لتحقيق نتائج تحترم كرامة الإنسان وتضمن الاستدامة.
5. المبادئ الإنسانية ليست شعارات، بل أدوات عملية للبقاء والوصول
قد تبدو المبادئ الإنسانية الأربعة – الإنسانية، والحياد، وعدم التمييز، والاستقلالية – مجرد شعارات نظرية، لكنها في الواقع أدوات عملية لا غنى عنها في الميدان. إنها ليست مجرد قيم أخلاقية، بل هي الأساس الذي يضمن فعالية التدخلات وسلامة العاملين والمجتمعات على حد سواء.
هذه المبادئ هي التي تسمح للمنظمات بكسب ثقة جميع الأطراف المتنازعة، مما يضمن سلامة فرق العمل في بيئات محفوفة بالمخاطر. والأهم من ذلك، أنها تضمن وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر ضعفًا واحتياجًا بناءً على الحاجة وحدها، بعيدًا عن أي اعتبارات سياسية أو عرقية أو دينية. إن الالتزام الصارم بهذه المبادئ هو ما يجعل العمل الإنساني ممكنًا وفعّالًا في أكثر السياقات تعقيدًا.
خاتمة: دعوة لإعادة التفكير
إن العمل الإنساني في إفريقيا هو عالم أكثر ثراءً وتعقيدًا مما تظهره الصور النمطية؛ فهو عمل متجذر في تاريخ طويل من التكافل، ويتطلب تضحيات شخصية هائلة، ويعتمد نجاحه الحقيقي على ما هو أعمق من مجرد توزيع المساعدات.
إن المعنى الحقيقي للنجاح في هذا الميدان لا يُقاس بحجم الموارد المنفقة، بل بمدى احترامه لكرامة الإنسان وقدرته على بناء حلول مستدامة تملكها المجتمعات المحلية. هذا هو جوهر العمل الإنساني، وهو ما يحوّل كل تحدٍ إلى فرصة لإحداث تغيير حقيقي ومستدام.
بعد هذه النظرة من الميدان، كيف يمكننا أن نغير طريقة حديثنا ودعمنا للعمل الإنساني، لننتقل من مجرد العطاء إلى المشاركة الحقيقية في بناء مستقبل مستدام؟
