تاريخ العمل الإنساني الحديث: من المبادرات الخيرية إلى المنظومة العالمية المنظمة
يشكل العمل الإنساني أحد أهم الاستجابات المؤسسية لأزمات الإنسان المتكررة عبر العصور، وقد أصبح مع مرور الوقت ميداناً تخصصياً له معاييره، وأطره القانونية، ومؤسساته العابرة للحدود. ورغم أن الممارسات التضامنية ذات الطابع الإنساني لها جذور ضاربة في عمق التاريخ، إلا أن العمل الإنساني الحديث يمثل تحوّلاً نوعياً في هذا المسار، من حيث التنظيم، الشمولية، والتأطير القانوني.
تهدف هذه الدراسة إلى تقديم قراءة تاريخية تحليلية لمسار تطور العمل الإنساني الحديث، مع التركيز على أهم المحطات التي أسهمت في بناء هذا المجال كممارسة مؤسسية دولية، بدءاً من القرن التاسع عشر وصولاً إلى التحديات المعاصرة في القرن الحادي والعشرين.
أولاً: التأسيس التاريخي والمؤسسي للعمل الإنساني الحديث
1. الإرهاصات الأولى: معركة سولفرينو وتأسيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر
تُعد حادثة معركة سولفرينو (1859) في شمال إيطاليا نقطة انطلاق رئيسية لتأسيس العمل الإنساني الحديث. فقد أُصيب رجل الأعمال السويسري هنري دونان بصدمة عميقة جرّاء مشاهد الجرحى المهملين، ما دفعه إلى تأليف كتابه المرجعي “ذكرى سولفرينو” عام 1862، حيث اقترح تأسيس هيئات محايدة لإغاثة الجرحى وتوفير حماية قانونية لهم. وقد قادت هذه الدعوة إلى تأسيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر عام 1863، وإلى عقد أول اتفاقية جنيف سنة 1864، والتي تُعد أول وثيقة قانونية دولية في تاريخ القانون الإنساني.
2. الحربان العالميتان وبروز النظام الإنساني الدولي
أدت الحربان العالميتان الأولى والثانية إلى تفاقم المعاناة الإنسانية وظهور الحاجة الملحة لإطار دولي أكثر تنظيماً. وقد تأسست في هذا السياق منظمات دولية إنسانية مركزية، أبرزها:
- منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) عام 1946؛
- المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) عام 1950؛
- برنامج الأغذية العالمي (WFP) عام 1961.
تزامن ذلك مع توسيع اتفاقيات جنيف عام 1949 لتشمل حماية المدنيين في النزاعات المسلحة، مما عزز الترسانة القانونية للعمل الإنساني الدولي.
ثانياً: تحولات العمل الإنساني بعد الحرب الباردة
1. تغير طبيعة النزاعات وتحديات التدخل الإنساني
مع نهاية الحرب الباردة، تحولت النزاعات من حروب بين الدول إلى صراعات داخلية معقدة، كالحروب الأهلية في رواندا، سيراليون، والبوسنة. وقد طرحت هذه التحولات إشكالات أخلاقية وقانونية تتعلق بمفهوم التدخل الإنساني، خاصة عندما تكون الحكومات ذاتها طرفاً في الانتهاكات. في هذا السياق، بدأ تطور مفهوم “مسؤولية الحماية” (R2P) والذي أقرته الأمم المتحدة عام 2005 كإطار أخلاقي وقانوني للتدخل الإنساني في حال فشل الدول في حماية شعوبها.
2. التخصص المهني والتقني في الاستجابة الإنسانية
شهد العمل الإنساني في هذه المرحلة تطوراً كبيراً من حيث المعايير والمهنية، وتبلور ما يُعرف بـ المعايير الدنيا في الاستجابة الإنسانية، كما في “ميثاق سفير” (Sphere Handbook) الذي صدر لأول مرة عام 1997، ووضع معايير تقنية ملزمة تتعلق بالماء، والصحة، والمأوى، والتغذية. وقد أصبحت المساعدات أكثر تخطيطاً واستهدافاً، وتحول العمل الإنساني إلى قطاع قائم بذاته ضمن منظومة العلاقات الدولية.
ثالثاً: العمل الإنساني في القرن الحادي والعشرين: تحديات وتحولات
1. التحديات المعاصرة: النزوح، المناخ، وتسييس المساعدات
في العقود الأخيرة، تزايدت التحديات أمام العمل الإنساني، وأبرزها:
- النزوح القسري المتصاعد، حيث تجاوز عدد النازحين قسرياً واللاجئين عالميًا 110 مليون شخص وفق تقرير UNHCR لعام 2023.
- الكوارث الطبيعية الكبرى، مثل زلزال هايتي (2010) وتسونامي المحيط الهندي (2004).
- تسييس المساعدات الإنسانية، حيث تُستخدم المساعدات أحيانًا كأداة ضغط أو يُعيق وصولها من قبل أطراف النزاع.
2. الابتكار التقني والرقمنة
أدى دخول التكنولوجيا إلى العمل الإنساني إلى تحولات نوعية، شملت:
- استخدام الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في تقييم الاحتياجات والاستجابة المبكرة.
- تقديم المساعدات المالية الرقمية بدلاً من العينية لتعزيز كرامة المستفيدين.
- التعاون مع شركات التكنولوجيا الكبرى لتحسين الخرائط، وتقدير الأضرار، وتتبع تدفق النازحين.
رابعاً: الإطار الأخلاقي للعمل الإنساني
ترتكز المنظمات الإنسانية على أربعة مبادئ أساسية، صاغتها الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، وهي:
- الإنسانية: تهدف إلى التخفيف من المعاناة الإنسانية دون تمييز.
- الحياد: عدم الانحياز إلى أي طرف في النزاعات.
- الاستقلال: استقلال القرار عن التأثيرات السياسية أو العسكرية.
- عدم التحيز: تقديم المساعدة على أساس الحاجة فقط.
وقد عززت هذه المبادئ “مدونة السلوك للمنظمات الإنسانية” (1994)، التي تم تبنيها من قبل معظم المنظمات الكبرى العاملة في المجال.
يمثل تاريخ العمل الإنساني الحديث مساراً تطورياً معقداً، انتقل فيه من المبادرات الفردية إلى نظام مؤسسي عالمي يستند إلى الشرعية القانونية والمعايير التقنية. ومع اتساع رقعة الأزمات وتعقيدها، تزداد الحاجة إلى تجديد أدوات العمل الإنساني من خلال:
- تعزيز الشراكات مع المجتمعات المحلية،
- الابتعاد عن المساعدات المشروطة أو المسيسة،
- ضمان الاستقلالية والمساءلة في كل مراحل الاستجابة.
ورغم التحديات، يظل العمل الإنساني المعاصر أحد أرقى تجليات الضمير الإنساني الجماعي، والركيزة الأخلاقية التي يستند إليها النظام الدولي في وجه الكوارث والنزاعات واللامساواة.

